خليل الصفدي
76
أعيان العصر وأعوان النصر
وكان جمال الدين هذا حسن الخلق ، خفيف الروح ، يتردد إلى الأعيان وغيرهم من الأفرم ، ومن دونه من جميع الطوائف ويحاضرهم ، ويلاطفهم ويستجديهم ، وكان يخرج من بيته من بكرة ، ويدور على الناس دورة ، وما تجيء الثانية ، أو الثالثة حتى يحصل له العشرون درهما فما دونها . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - يوم السبت الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة وسبعمائة ، وقد تجاوز الثمانين ، ودفن بمقابر الشيخ أرسلان . وكان كثيرا ما يحكي ، ويتعيش بوقائعه مع الأمير علم الدين أرجواش نائب قلعة دمشق ؛ لأنه كان به خصيصا لا يكاد يصبر عنه ، حضر إلى صفد في وقت ، وكان الأمير علم الدين سنجر الساقي مشد الديوان بصفد ووالي الولاة ، وهو متزوّج بابنة أرجواش ، فتركها في مخدع بحيث تسمع ، وأحضر الشيخ عبد الغني واستحكاه ، فأخذ يحكي عن أرجواش ، ومما حكاه أنه لما توفي الملك المنصور ، قال : يا عبد الغني أحضر لي مقرءين يقرءون ختمة للسلطان ، قال : فأحضرت له جماعة ، وجلس أمامهم وإلى جانبه دبّوس ، وأخذ أولئك يقرءون على العادة ، فقال : دعهم يقرءون عاليا ؛ ليسمع السلطان في قبره ، فقلت لهم : ارفعوا أصواتكم بالقراءة ، فقفزوا وما فرغوا منها إلى ربع الليل ، فقلت : يا خوند ، فرغوا ، فقال : دعهم ليقرءوا ختمة أخرى ، فقلت لهم : ابدءوا في أخرى ، فشرعوا في الثانية وما فرغوا منها إلى نصف الليل ، فقلت : يا خوند ، فرغوا بسعادتك ، فقال : لا السماوات ثلاث ، والأرض ثلاثة ، والبحار ثلاثة ، والمعادن ثلاثة ، كل شيء في الدنيا ثلاثة ثلاثة ، يقرءون الأخرى تتمة ثلاثة ، فقلت لهم : يا مساكين اقرؤوا أخرى ، واحمدوا اللّه واشكروه كونه ما عرف أن السماوات سبع ، والأرض سبع فما فرغوا حتى أشرفوا على الهلاك ؛ لأنهم من المغرب إلى بكرة في عياط ، فقلت : يا خوند فرغوا ، فقال : رسم عليهم إلى بكرة ، فإذا تعالى النهار اكتب عليهم حجة تحت الساعات باللّه وبالقيامة الشريفة ، أن ثواب هذه الختمة لأستاذنا السلطان الملك المنصور ، وهات الحجة إليّ ، واعطهم مائة درهم ، فما ملكت ابنة أرجواش نفسها ، بل فتحت الباب ، وخرجت إلى الشيخ عبد الغني ، ونتفت ذقنه ، وخربت عمامته ، فخرج منها ، وهي تشيّخه وتسبّه ، وأما زوجها فقاسى منها شدة . وقال : جئت يوما إلى باب القصر الأبلق ، فوجدت الملك الكامل والصاحب عزّ الدين بن القلانسي جالسين فطلبت منها ، فلم يعطياني شيئا ، فلطفت القول وزدت ، فما رشحا لي بشيء ، فقلت : واللّه لأغرمنكما جملة كثيرة على هذه العشرة دراهم ، وتركتهما